سيرة غير ذاتية يونيو 10, 2010
Posted by نبيل البحبوح in المدونة.trackback
حرص المفكرون والفلسفة والحكماء على مر التاريخ على نقل خبراتهم لمن بعدهم حرصاً على مسيرة أممهم، وألا يتجشم الجيل القادم عناء البدء من نقطة الصفر. وكان موضوع كتابة الخبرات ونقل التجارب أمراً يؤرق المخلصين فارتفعت أصواتهم مطالبين المثقفين والدعاة والمربين والمفكرين والعلماء والقادة بكتابة تجاربهم للأجيال القادمة. يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه المميز (هكذا علمتني الحياة): “إن هذه الخواطر هي خلاصة تجاربي فى الحياة،لم أنقل شيئاً منها من كتاب، ولا استعنت فيها بآراء غيري من الناس، وأعتقد أن من حق الجيل الذى يأتي من بعدنا أن يطَّلع على تجاربنا، وأن يستفيد من خبراتنا إذا وجد فيها ما يفيد، وهذا خير ما نقدمه له من هدية”.
كتاب بدأت بقراءته اليوم بعنوان (رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر) للمفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله.
هذا الكتاب هو لون جديد من ألوان الكتابة الإبداعية عن رحلة الحياة، لا ينتمي لفن المذكرات الشخصية التي تتناول مراحل حياة المؤلف بشكل مفصل ودقيق، بل هي مذكرات فكرية موضوعية مخلوطة بقضايا وأفكار ومواقف شخصية للكاتب، في إطار تحليلي متكامل مبتكر. يتحدث الدكتور عبدالوهاب المسيري في هذا الكتاب عن حياته الفكرية كمثقف عربي مصري، وليس عن حياته كزوج أو أب أو ابن أو صديق. فهو يركز فيه على تحولاته الفكرية والعوامل التي ساهمت على نشأته الفكرية بعيداً عن السرد التاريخي التسلسلي التقليدي.
إننا نلاحظ في الأونة الأخيرة موت كثير من العلماء والدعاة والمفكرين والمصلحين والقادة الذين تركوا بصمات جليلة في أمتنا الإسلامية، وماتت مع أكثرهم تجاربهم وخباراتهم في مجال الدعوة والفكر والإصلاح، ولم يُسجلوا أي ذكريات أو سيراً أو يتركوا كتباً تتحدث عن التجارب التي عاشوها، وعن علمهم الذي ورثوه، وهذا لا شك يعتبر خسارة عظيمة وكبيرة.
أيضاً نلاحظ فى كل مرحلة زمنية من مراحل الحياة البشرية يكون هناك فجوة كبيرة بين الأجيال المختلفة فى الأعمار والأفكار والطموحات. ونعني بالفجوة بين الأجيال هي تلك الاختلافات بين الناس من جيل الشباب وكبار السن، وخاصة بين الأطفال والآباء. هذه الفجوة تتسع يوماً بعد يوم. لذا قد تنبه لهذه القضية الدكتور عبدالوهاب المسيري حيث قال في نهاية مقدمة كتابه الآنف الذكر: (لا أدري في هذه السيرة غير الذاتية، غير الموضوعية “نوع أدبي جديد” أو “نوع أدبي قديم” أو “نوع أدبي قديم/ جديد” أو “خليط من أنواع أدبية وغير أدبية”. فلنترك هذا للقراء والنقاد، ولتكن هذه السيرة دعوة للمفكرين العرب إلى أن يكتبوا سيرهم غير الذاتية غير الموضوعية التي تحتوي على تلخيص لأفكارهم وبذورها وكيفية تشكلها، ليضعوا خبرتهم تحت تصرف الأجيال الجديدة. وممما يجعل المسألة أكثر إلحاحاً تعاظم الفجوة بين الأجيال مما يؤدي إلى عدم توارث الحكمة والمعرفة، وأخشى ما أخشاه أن تبدأ الأجيال القادمة من نقطة الصفر).
في ختام هذه المقالة أقدم ثلاث دعوات عاجلة:
- دعوة لقراءة كتاب (هكذا علمتني الحياة- دار الوراق) للدكتور مصطفى السباعي، وكتاب (رحلتي الفكرية – دار الشروق) للدكتور عبدالوهاب المسيري….
- ودعوة ثانية لعلمائنا ومشائخنا الأفاضل ومفكرينا الكرام إلى أن يكتبوا سيرهم غير الذاتية وتجاربهم الحياتية، حتى تستفيد منها الأجيال القادمة…
- ودعوة ثالثة لكل من له تجربة أن يدوّنها مهما بدت له صغر حجمها أو غير مكتملة، فلربما أنجب الإنسان فكرة عاشت بعده سنين…
م. نبيل بن علي البحبوح
8 جمادى الآخرة الموافق 21 مايو 2010
تعليقات»
No comments yet — be the first.