jump to navigation

العقل المتفتح مارس 25, 2010

Posted by نبيل البحبوح in المدونة.
trackback


إن من أعظم النعم التي وهبها الله سبحانه وتعالى لبني البشر هي نعمة العقل. إن العقل ملكة وغريزة ونور وفهم وبصيرة، وليس عضواً ولا حاسة من الحواس فحسب. بل هو نور معنوي في باطن الإنسان. إن للعقل قدرات وإمكاننات هائلة لا يمكن تصورها، حتى أن بعض العلماء أطلقوا على العقل اسم (العملاق النائم). إن العقل ثروة كبيرة، لا يعرف معظمُ الناس كيف يستثمرونها، أو يديرونها، حتى إن بعض البحوث والدراسات تشير إلى أن ما استُخْدِمَ من إمكانات العقل البشري وقدراته؛ لا يزيد عن 1%. أما الأشخاص الذين يعملون في مجال الزراعة في الأماكن الريفية والقرى، فلم يستخدموا سوى 0.001 % (واحد من الألف) من عقولهم.

ولأهمية العقل والتفكير، سنحاول في هذه المقالة أن نقدم بعض الأفكار والمفاهيم، التي تساهم في تكوين عقلية إيجابية ومتفتحة، عبر النقاط العشر التالية:

أولاً - إن الله عز وجل وزَّعَ القدرات العقلية على الأمم والشعوب – سواءً الماضية أو الحاضرة – بالتساوي، فليس هناك شعب أو عرق أو أمة هو عبارة عن مجموعات من الأشخاص الأذكياء والعباقرة! كما ليس هناك شعب أو عرق أو أمة هو عبارة عن مجموعة من الأغبياء والسذج!!! بل تجد في كل شعب أو عرق أو أمة خليط من الأذكياء والمبدعين والعظماء والأغبياء وأصحاب الهمم العالية وأصحاب الهمم الدنيئة. إذن؛ السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا نرى شعوباً وأمماً تُسجِّل – في كل يوم – عشراتِ بـراءات الاختراع، وتقدم الكثير من الحلول الإبداعية والابتكارية لمشكلات مستعصية؟ ولماذا – في المقابل – نرى شعوباً وأمماً ليس لديها هاجسُ قلقٍ أو أدنى اعتبار لتخلفها عن ركب الإبداع والابتكار والاختراع والتطوير التقني؟ كما أنه ليس لديها أي مؤسسات أو هيئات – سواءً حكومية أو خاصة – تهتم بالإبداع والفكر والمبدعين والمبتكرين؟ كما أنه ليس في حوزتها أية منتجات قيّمة تحمل بصمات إبداعية عالية؟! الجواب عن كل هذا يكمن في أمرين هما: في طريقة التربية الأُسرية، وفي طريقة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات. فالتربية الجيدة تفتِّح وعيَ من يتلقَّاها من الأطفال – على اختلاف إمكاناتهم الذهنية وقدراتهم العقلية – وتساعدهم في استثمارها، والاستفادة منها على النحو الأمثل.كما أن المدارس الجيدة تساههم بشكل كبير في الكشف عن المواهب والإمكانات المتفوقة، وتقدِّم الفرصَ تلو الفرص؛ لإبراز تلك المواهب من خلال المبتكرات الجديدة والمنتجات النافعة الذكية.

ثانياً - في عام 2008م أصدرت (مؤسسة الفكر العربي) تقريراً عن التنمية الثقافية في العالم العربي، وأشارت فيه إلى أن إجمالي الكتب التي نشرت في العالم العربي في ذلك العام هو27,809. دعنا نفترض أنك تقرأ كل أسبوع كتاباً واحداً، أي أنك في السنة ستقرأ 50 كتاباً. أي بمعنى أنك ستطلع على أقل من 0.2 % فقط مما تم نشره. إذن؛ يمكننا القول أن المرء لن يستطيع الإحاطة بجميع العلوم مهما فعل. كما تحدث التقرير السابق عن إن معدل الالتحاق بالتعليم في الدول العربية لا يتجاوز 21.8 % ، بينما يصل في كوريا الجنوبية إلى 91 %، وفي أستراليا إلى 72 %، وفي إسرائيل إلى 58 %. وأشار التقرير أيضاً إلى أنه سنوياً يصدر كتاب واحد لكل 12,000 مواطن عربي، بينما يصدر كتاب واحد لكل 500 مواطن إنجليزي، وكتاب واحد لكل 900 مواطن ألماني؛ أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4 % من معدل القراءة في إنجلترا. هذه الأرقام والاحصاءات تدل على أن قضية القراءة تعتبر شيئاً أساسياً في تكوين الفكر والثقافة لدى الأمم والشعوب. إن القراءة هي القادرة بلا ريب على بناء وتأسيس العقلية المتفتحة عند الناس، وحال الأمة اليوم مع القراءة مؤلم كما عبر العقّاد بقوله:”إن القراءة لم تزل عندنا سُخرة يساق إليها الأكثرون طلباً للوظيفة أو منفعة، ولم تزل عند أمم الحضارة حركة نفسية كحركة العضو الذي لا يطيق الجمود”. إن العبقرية إذا لم تتغذ بغذاء القراءة خليقة أن تجف وتذبل، وإن الذكاء إذا لم يلازمه اطلاع يتحول إلى هباء.

ثالثاً - أصبح هذا الزمن زمن التفوق. فما عاد الواحد منا يستطيع أن يعيش حياة كريمة إلا إذا صار متميزاً. قبل أكثر من خمسين سنة، كان المرء يستطيع أن يمتلك بيتاً ويحصل على دخل جيد، وذلك لأن مطالب الحياة لم تكن كثيرة ومعقدة. أما اليوم ومع تعقد الحياة والتطور التقني والحضاري، لم يعد بالإمكان الحصول على كل ما ترغب بسهولة ويسر. لقد ولى زمن الأمور العادية، وأتى زمن التميز والإبداع. على الرغم من أن التطور الذي نشهده اليوم ساهم في تعقد الحياة، إلا أن زيادة تلك التعقيدات، أدت إلى زيادة توفر الفرص والبدائل والخيارات على جميع الأصعدة. فمثلاً في القرى، الوظائف والخيارات محدودة (مزارع، ونجار، وحداد، وكهربائي…)، أما في المدن، فهناك مئات بل آلاف الوظائف والخيارات (أطباء في تخصصات مختلفة ودقيقة، ومهندسون في مجالات متعددة، ومصانع السيارات والطائرات، ومراكز الأبحاث، والمعاهد والجامعات …).

رابعاً - يذكر الدكتور عبد الكريم بكار – المفكر الإسلامي – ” أن أحد الأشخاص شكا إليه أنه لا يملك المال الكافي لكي يعلم أبناءه التعليم الجيد. يقول الدكتور: وكنت أعرف أن لهذا الشخص بيتين، بيت يسكن فيه والآخر يؤجره. فقلت له: إذا أردت أن تأخذ بنصيحتي، قم ببيع البيت المؤجر، ثم استثمر قيمة البيت في تعليم أبناءك. ماذا سيفعل أبناؤك بالبيت عندما يرثوه من بعد مماتك؟ ماذا سيكون نصيب كل واحد منهم؟ غرفة أو اثنتين؟ فعلاً أخذ ذلك الشخص بنصحيتي، وعزم على اسثمار المال في بناء عقلية أبناءه وتعليمهم. يقول الدكتور: وبعد عدة سنوات، حصل أحد أبناءه على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، والثاني دكتوراه في الطب، ومازال ابنه الثالث يدرس الهندسة في أمريكا، والابن الرابع يدرس في قسم الحاسوب في إحدى الجامعات المحلية “. إنني أعرف أشخاصاً فتح الله عليهم من أبواب الرزق ما شاء، لا ينفقون أموالهم في تعليم أبنائهم إلا أقل القليل. فهم يسجلون أبنائهم في مدراس عادية جداً بل ربما أقل من عادية أو سيئة في بعض الأحيان. وإذا تخرج الواحد منهم من المرحلة الثانوية، فإكمال الدراسة الجامعة أو الحصول على بعض الدورات المفيدة سواءً المهنية أو الإدارية أو التربوية ليست في خططهم لأنها مضيعة للمال على حد زعمهم. وما دروا أن العلم هو الذي يبقى لصاحبه، وأن العلم ترفع به الدرجات، قال الله تعالى: ((يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)).

خامساً - من الأخطاء الشائعة عند التعامل مع الأبناء هو التعامل معهم على أساس الذكاء والموهبة فقط، دون النظر إلى روح العمل والمثابرة لدى أبنائهم. هذا المعيار غير دقيق، فقد يكون الابن الذكي غير مجتهد ومثابر في عمله، بينما صاحب الذكاء المتوسط لديه حب للعمل والمثابرة. إن بعض العائلات تعتقد أن الابن الذكي يستحق الاحترام والتقدير، بينما الابناء الآخرون لا يستحقون ذلك. إن الذكاء وحده لا يكفي لكي يصبح الإنسان ناجحاً في حياته. فكم رأينا أناساً أذكياء جداً، لكن ليس لديهم هدف في الحياة، بل إنهم أصفاراً على الشمال. وفي المقابل، رأينا أناساً يمتكلون قدراً متوسطاً من الذكاء، وهم ناجحون في حياتهم، لأن لديهم روح العمل والمثابرة. وكما يقول توماس أديسون عندما سئل عن ماهية الإبداع فقال: “الإبداع 1% إلهام، و99% جهد”. إن كثيراً من الآباء لديه تصنيف مسبق لما سيكون عليه أبناءه في المستقبل. في على سبيل المثال، يقول ابني هذا سيصبح مديراً في شركة، والآخر سيصبح مهندساً معمارياً، أما ابني الأخير فسيصبح بواباً في إحدى المدارس. هؤلاء يبنون توقعاتهم على ما يرونهم من القدرات الذهنية والعقلية لأبنائهم، وهذا التصنيق غير دقيق، لأننا كما قلنا الذكاء ليس وحده كافي في تحديد مستقبل الأبناء، فلربما الابن الذكي ليس لديه الجد والمثابرة كما لدى الابن الآخر. وإنني أعلم كثيراً من الشباب لديهم مهارات عالية وقدرات ذهنية ممتازة، لكنهم مع الآسف لم يستفيدوا منها في حياتهم، بل أصبحوا كسالى خاملون لا هدف لهم في الحياة.

سادساً – لا توجد مشكلة إلا ولها حل. لكن قد يكون هذا الحل مرضياً مائة في المئة أو نصف مرضي أو ربما في بعض الأحيان يكون هذا الحل سيئاً للغاية، لكن هو الحل الوحيد المتاح لدينا. يجب علينا دوماً أن نفكر في البدائل والخيارات. إننا نلاحظ في كثير من المجالس والأحاديث العامة أن أغلب الناس يركزون على ذكر المشاكل والمصاعب بنسبة 80% بينما يكون نصيب الحل هو 20%. بل في بعض الأحيان قد لا يتم تخصيص أي وقت لتقديم حلول نافعة لمشكلات الحياة. كل الناس يشكون من حال زمانهم وأوضاعهم. وهذه الظاهرة موجودة في جميع الأممم والأزمان. والحقيقة أن هذه الدنيا ليست كاملة، وستضل هكذا إلى قيام الساعة. يجب علينا أن ندرك أن الغرض من ذكر المشاكل التي يعيشها البشر هو إدارك حقيقة المشكلة وفهمها على نحوٍ صحيح، ومن ثم تعطينا تلك المشكلات دفعة قوية لإيجاد الحلول المناسبة لها، بدلاً من كثرة التشكي والتذمر من الواقع حتى يصل بنا إلى مرحلة الإحباط. قضية أخرى يجب التنبيه عليها هنا هو أن معظم الناس يفتي في كل مسألة تثار، خاصةً في المجالس العامة. فقد ترى أحدهم يجيبك على مسألة طبية وأخرى شرعية ثم يعرج على المسائل التربوية وهو جاهل بكل هذا. بل ربما قد يكون في المجلس من هو متخصص في مجال معين، ثم إذا سئل ذلك المتخصص في مسألة في مجاله، تراه يجيب بروية واطمئنان، في حين قد تسمع إجابة جريئة ومستعجلة من شخص غير متخصص. قضية ثالثة هنا هو أن لكل إنسان دائرتان في محيط حياته: دائرة اهتمام ودائرة تأثير. فأمَّا دائرة الاهتمام فهي كبيرة جداً، فالمرء يهتمّ بأوضاع الأمّة كلّها، يهتمّ بأمر المستضعفين والفقراء والتائهين، ويهمه أمر المسلمين في بلده وفي فلسطين والعراق وأفغانستان. وأما دائرة التأثير، فهي الدائرة التي يستطيع المرء أن يؤثِّر فيها ويترك أثره فيها، وقد تكبر هذ الدائرة أو تصغر حسب قدرة الإنسان وطاقته وعلمه وهمّته، وهذه الدائرة مهمّة جدّاً لو أنّ الإنسان فعَّلها تفعيلاً جيّداً. فالمرء يستطيع أن يفعَّل دائرة التأثير من خلال إفادة الناس في مجال تخصصه، وكذلك يستطيع أن يربي أبناءه على الخلق الحسن، ويوجههم نحو العلم والتعلم وتطوير الذات. إن الإنسان الناجح هو الذي يوظف جهده وطاقته، ووقته، وماله في الأمور الواقعة في (دائرة تأثيره)، ويكف عن الشكوى مما هو في (دائرة اهتمامه) ولا سلطان له عليه. دوماً نلاحظ أن (ما نريده لا يمكننا القيام به، وما يمكننا القيام به لا نريده). والمحصل في النهاية أن المرء يعيش بدون هدف ولا انجازات طوال حياته.

سابعاً - مضى زمان الموسوعية. لم يعد في عصرنا الحالي ما يسمى (الرجل الموسوعي) الذي يعرف في الفلك والطب والهندسة والرياضيات والشريعة والاقتصاد والسياسة، كما كان علمائنا في القرون الماضية. في الماضي كانت العلوم والمعارف محدودة. يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “إن أي طالب في السنة الرابعة في كلية الطب سيكون لديه حصيلة علمية وعملية تفوق بكثير ما كان لابن سينا في زمانه”. وهذا واضح وجلي لأن المعلومات والمعارف اليوم تتزايد وتتضاعف بشكل كبير جداً. فإذا كانت المعلومات التي على شبكة الإنترنت – مثلاً – تتضاعف في كل سنة، فمابالكم بالعلوم الآخرى كالطب والفيزياء والحاسب. إننا في عصر انفجار معلوماتي ضخم لم تشهده القرون الماضية. إن هذا الزمن هو زمن التخصص، فإن لم يكن المرء متخصصاً في مجال معين فلن يبدع.

ثامناً - لم تعد تقتصر الحروب اليوم على الجانب العسكري كما كانت في العصور السابقة، بل اتخذت الحروب في هذا العصر أشكالاً عدة. إن من أهم أشكال الحروب اليوم هي الحرب المعلوماتية. فبقدر ما تمتلك الأمة من معرفة ومعلومات، بقدر ما يكون لها شأن بين الأمم الأخرى.

تاسعاً - إن اختلاف الناس في الرؤى والأفكار والنظر إلى الأشياء يشبه تماماً اختلاف الناس في وجوههم؛ فمن المعلوم لدينا أن كل إنسان سويٍّ لديه فم واحد، وأنف واحد، وأذنان، وعينان، وجبين واحد؛ ومع هذا فلا تكاد ترى وجهاً يطابق وجهاً آخر مطابقة كاملة؛ وذلك بسبب اختلاف الملامح والألوان والتفاصيل الصغيرة..وهكذا الناس تتشابه آراؤهم، بل تتطابق حين يفكرون في مسائل وقضايا كبرى؛ هي أشبه بالأصول والثوابت الثقافية. لكن إذا فكروا في مسائل فرعية أو جزئية، فمن الطبيعي جدّاً أن يختلفوا اختلافاً واسعاً، بل إن من الصعوبة بمكان أن يتفقوا على رأي واحد.

عاشراً - إننا لا نلوم آبائنا وأجدادنا لأنهم لم يخترعوا الطائرة، لأنه لم تتوفر لهم الإمكانات والتقنيات والمعلومات في زمانهم كما توفرت لنا اليوم. إنما يقع اللوم علينا لأننا نتملك الإمكانات والموارد لكن لم نستخدمها ونستغلها في صناعة شيء يستفد منه العالم.

م. نبيل بن علي البحبوح
8 ربيع الآخر 1431 هـ الموافق 24 مارس 2010

تعليقات»

No comments yet — be the first.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.