التحيز التاريخي فبراير 11, 2010
Posted by نبيل البحبوح in المدونة.trackback
قد يعتقد البعض منا أن دراسة التاريخ تتضمن دراسة الماضي فقط، ولكن التاريخ ليس هو الماضي فقط؛ بل إنه قاعدة الحاضر، وإنعكاس كلاً من الماضي والحاضر على المستقبل.
إن دراسة النماذج التاريخية على مرور الزمن تلعب دوراً مهماً في تشكيل عقلياتنا وفهمنا للواقع. إن التاريخ ليس علماً للمتعة؛ بل أنه أداة لعدد من الأمور:
1. إنه أداة من أدوات استخراج النماذج والمقاربات من واقع الأمم والمستقبل المتوقع.
2. إنه أداة فعالة للإقناع أثناء الحوار. فعندما يتحاور شخص ما مع آخر حول قضية معينة، ثم يستلهم مواقف أو أحداث تاريخية لكي يدلل على ما يقوله، فإنه في هذه الحالة يتكلم عن شيء حقيقي وواقعي، وليس نسجاً من الخيال والأوهام.
3. إنه أداة أساسية في رفع الروح المعنوية لدى الأمم، وخاصةً عندما يتم التركيز على جوانب العظمة والتفوق والإنجاز عند حضارة ما.
هنا أحب أن أؤكد على النقطة الأخيرة الآنفة الذكر، وهي أن الغرب استخدم التاريخ في رفع الروح المعنوية لدى شعوبهم، حتى أن المتأمل في طريقتهم في سرد التاريخ، يلاحظ أنهم يركزون بشكل أساسي على جوانب القمة والإنجازات في حضارتهم، مع إهمال وتحجيم متعمد لدور الحضارات الأخرى، وتأثيرها على الحضارة الغربية. بل قد يصل في بعض الأحيان إلى نوع من التحيز. تقول المستشرقة الألمانية الدكتورة “زيغرد هونكة” في كتابها الشهير (شمس العرب تسطع على الغرب): “من يتصفح مائة كتاب تاريخ لا يجد اسماً لذلك الشعب (العرب) في ثمانية وتسعين منها. وحتى اليوم فإن تاريخ العالم لا يبدأ بالنسبة للإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءاً خاطفاً!! ثم يتوسع ويتشعب في بلاد الإغريق وروما!! ثم ماراً مروراً سريعاً ببيزنطة!! منتقلاً إلى القرون الوسطى المسيحية لينتهي منها آخر الأمر بالعصور الحديثة”.
إن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا:
• لماذا هذا المرور السريع في سرد الحضارات القديمة؟
• لماذا التشعب والتوسع في سرد الحضارتين الإغريقية والرومانية؟
• لماذا لم يتم ذكر دور العرب والمسلمين في صعود الحضارة الغربية؟
• لماذا تم اختزال فترة العصور الوسطى ثم التوسع في العصور الحديثة؟
يلخص لنا المفكر الدكتور جاسم سلطان في كتابه (من الصحوة إلى اليقظة) الأسباب التي دعت المؤرخين الأوروبيين إلى تناول وعرض التاريخ بهذه الطريقة فيما يلي:
أولاً – أن تقزيم درور الحضارات الشرقية في زاوية صغيرة من كتاب التاريخ – عند صناعة العقل الأوروبي – يجعل فترة روما والإغريق تأخذ بُعداً أكبر. وبالتالي تُمهش أدوار الحضارات الأخرى، فيصبح التاريخ البشري كله قبل روما وما قبل اليونان – في العقل الأوروبي – هو فترة قليلة في الوجدان.
ثانياً – أن التضخيم لفترة اليونان والرومان وإنجازاتها يغرس في الشعور والعقول أن إنجازات الإغريق والرومان هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي للشعوب الأوروبية.
ثالثاً – أن تقزيم واختزال وتهميش فترة العصور الوسطى (عصور الظلام في العقل الأوروبي) وبيزنطة – وهي تقرب من عشرة قرون سادت فيها الحضارة الإسلامية وحضارات أخرى – رغم أنها الأطول في التاريخ الأوروبي يشعر القارئ والطالب الأوروبي أن أوروبا كانت باستمرار مهد الحضارة. وأن الذكاء الأوروبي هو أمر ممتد منذ القدم وحتى زوال الكون.
رابعاً – الانتقال المباشر إلى عصر النهضة والعصور الحديثة والإشادة بهما لأنهما يمثلان العصر الأوروبي المجيد.
خامساً – ثم يتم التوسع في التاريخ الأوروبي المعاصر الذي يمثل قمة البعث النفسي والعظمة والمجد للأوروبيين.
ثم يتابع الدكتور جاسم فيقول: “وبذلك أسقط المؤرخون الأوروبيون الحضارات القديمة بضربة فنية، وأسقطوا الحضارة الإسلامية التي امتدت عشرة قرون متواصلة بضربة فنية أخرى، وجعلوا تاريخ العالم يبدو خطاً غير منقطع للتاريخ الأوروبي، فيعيدون بذلك تشكيل عقلية الطالب الأوروبي لاستقبال هذه المعلومة، وعندها لا تبقى في عقليته إلا عظمة اليونان والرومان، واتصال ذلك بعظمة أوروبا الحالية ويسقط ما بينها من فجوات أو تساؤلات”.
لاشك أن نقل العلوم التطبيقية (الطب، والكيمياء، والهندسة، والفلك، والفيزياء) من البدائية إلى علوم تخضع للمنهج العلمي هو ابتكار إسلامي، وأن تحويل العلوم الإنسانية إلى علم حقيقي هو من ابتكار العلامة المؤرخ ابن خلدون. لذا من أهم الواجبات علينا هي أن نحاول إعادة عرض المادة التاريخية بحيث تبرز نموذج الحضارة الإسلامية وإنجازاتها وآثارها، ومن ثم يتم توظيفها توظيفاً جيداً في إعادة البعث النفسي في أبناء هذه الأمة.
م. نبيل بن علي البحبوح
27 صفر 1431 هـ الموافق 11 فبراير 2010
تعليقات»
No comments yet — be the first.